صديق الحسيني القنوجي البخاري

614

فتح البيان في مقاصد القرآن

كانت هل كانوا أحياء فأجابوا بلسان المقال ، أو أجابوه بلسان الحال والظاهر الأول ونكل كيفيتها إلى اللّه سبحانه ، وكان هذا القول على وفق السؤال لأنه تعالى سألهم عن تربيتهم ولم يسألهم عن إلههم فقالوا بلى فلما انتهوا إلى زمان التكليف وظهر ما قضى اللّه في سابق علمه لكل أحد منهم من وافق ومنهم من خالف قاله أبو طاهر القزويني . وقيل تجلى للكفار بالهيبة وللمؤمنين بالرحمة ، فقال كلهم بلى ، قيل وكان ذلك قبل دخول آدم الجنة بين مكة والطائف قاله الكلبي ، وقيل بعد الهبوط منها ، وقال علي في الجنة وقيل بسرانديب من أرض الهند ، وهو الموضع الذي هبط آدم فيه من الجنة ، وكل ذلك محتمل ، ولا يضرنا الجهل بالمكان بعد صحة الاعتقاد بأخذ العهد واللّه أعلم . أخرج أحمد والنسائي وابن جرير والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « إن اللّه أخذ الميثاق من ظهر آدم بنعمان يوم عرفة فأخرج من صلبه كل ذرية ذرأها فنثرها بين يديه كالذر ، ثم كلمهم فقال : ألست بربكم إلى قوله . . المبطلون » « 1 » ، وإسناده لا مطعن فيه . وأخرج عبد بن حميد والحكيم الترمذي والطبراني وأبو الشيخ عن أبي أمامة أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « لما خلق اللّه الخلق وقضى القضية وأخذ ميثاق النبيين وعرشه على الماء فأخذ أهل اليمين بيمينه وأخذ أهل الشمال بيده الأخرى وكلتا يدي الرحمن يمين فقال يا أصحاب اليمين فاستجابوا له ، فقالوا لبيك ربنا وسعديك قال ألست بربكم قالوا بلى » « 2 » ، الحديث . والأحاديث في هذا الباب كثيرة بعضها مقيد بتفسير هذه الآية وبعضها مطلق يشتمل على ذكر إخراج ذرية آدم من ظهره وأخذ العهد عليهم كما في حديث أنس مرفوعا في الصحيحين وغيرهما ، وأما المروي عن الصحابة في تفسير هذه الآية بإخراج ذرية آدم من صلبه في عالم الذر وأخذ العهد عليهم واشهادهم على أنفسهم فهي كثيرة جدا ، وقد روي عن جماعة ممن بعد الصحابة تفسير هذه الآية باخراج ذرية آدم من ظهره ، وفيما قاله رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في تفسيرهما مما قدمنا ذكره ما يغني عن التطويل . وقال أهل الكلام والنظر قولهم : بلى شهدنا على المجاز لا على الحقيقة ، وهو خلاف مذهب جمهور المفسرين من السلف ، قال ابن الأنباري : مذهب أصحاب الحديث وكبراء أهل العلم في هذه الآية أن اللّه أخرج ذرية آدم من صلبه وأصلاب أولاده وهم صور كالذر وأخذ عليهم الميثاق أنه خالقهم ، وأنهم مصنوعة ، فاعترفوا بذلك وقبلوه وذلك بعد أن ركب فيهم عقولا عرفوا بها ما عرض عليهم كما جعل للجبال عقولا حتى خوطبوا بقوله : يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ [ سبأ : 10 ] وكما جعل

--> ( 1 ) أخرجه أحمد في المسند 1 / 272 . ( 2 ) أخرجه الترمذي في تفسير سورة 5 ، باب 3 .